الأربعاء، 30 ديسمبر 2020

هل مات رسول الله ودرعه مرهونة عند يهودي؟ بقلم : د. عبد الله عطا عمر

جاء في "صحيح البخاري" من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ( تُوفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير) وكذلك أخرج هذا الحديث الترمذي في جامعه عن ابن عباس قال: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بعشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الألباني: صحيح. وكذلك أخرجه النسائي، وابن ماجه، وأحمد في "مسنده"، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم. فهو حديث متفق على صحته من حيث الإسناد والمتن عند أئمة الحديث جميعاً.

المعترضون على هذا الحديث وحجتهم:
اعترض البعض على هذا الحديث، وأنكروا وقوع مثل هذه الحادثة، وكانت أهم اعتراضاتهم: كيف رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه مقابل الطعام عند يهودي، رغم أنه صلى الله عليه وسلم في أواخر حياته فتح الفتوح، وغنم الغنائم، وكان سيد الجزيرة، فكيف يحتاج إلى يهودي ليستلف منه، ويرهنه درعه، ويموت وهي مرهونة ؟! وقالوا: أليس في ذلك إثبات لحاجة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا اليهودي، برهنه درعه الذي هو سلاحه وهو عدوه ؟! أليس في هذا نقصٌ وعيب في حقه صلى الله عليه وسلم وهو قائد الدولة في ذلك الوقت؟! فإذا كان قائد الدولة محتاجاً، فكيف بالرعية؟ ثم أليس هذا يعني أن المدينة كان فيها يهود وقت وفاته صلى الله عليه وسلم ؟! فكيف هذا وقد كان صلى الله عليه وسلم أمر بإخراجهم من جزيرة العرب؟ وكيف يتعامل معهم وهو الذي أمر بإخراجهم منها؟ ثم هل يتفق هذا الحديث مع ما جاء في قوله تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} ثم كيف يتعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع اليهود والله تعالى يقول عنهم: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ} إلى قوله: {وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} . وقد كانوا أُجلوا فعلاً من المدينة، وأول من أُجْلي منهم يهود قينقاع، ثم بنو النضير، ثم بنو قريْظة، ومما هو معلوم أنه لا يوجد يهودي واحد في المدينة المنورة منذ ذلك الوقت حتى زماننا هذا. ويقولون: من أين جاء هذا اليهودي بعد إخراج اليهود من الجزيرة بأسرها، وبعد أن أصبحت أموال اليهود تجبى إليه، وقد قال تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} أي من اليهود بحصون خيبر وكافة أموالهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الخمس فقط، كما ورد بهذه الآية، فكل أموالهم منحهُ تعالى إيّاها، فهل هو بحاجة ليهودي!

ويقولون: عندما توفي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الغنائم وخيرات البلاد المفتوحة تجبى من كلِّ مكان، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها الخمس بحكم القرآن. كما أن هناك أغنياء كثر من الصحابة، فما حاجته صلى الله عليه وسلم إلى رهن درعه عند يهودي، وقد قال الله تعالى عنه: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} فهل بعد أن أغناه الله تعالى يحتاج إلى أن يرهن درعه. ويحتجون بقوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} فهل بعد أن يكفيه الله تعالى يحتاج أن يرهن درعه وييستدين من عدوه اليهودي، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} .

ويقولون: لماذا يستدين الشعير، ولا يستدين القمح؟! فهل الشعير هو أطيب الطعام للإنسان؟ والله تعالى يقول: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} .

ويقولون: أليس هناك من المسلمين من يقرضه، وقد كان فيهم الأغنياء كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما، فأين كانوا؟ ثم كيف يجوع من كان يجهّز الجيوش، ومن كان يسوق المئين من البُدن، وله مما أفاء الله عليه مثل فدك وغيرها. كما جاء عن جابر بن عبد الله قال: (نحر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية سبعين بدنة، كل بدنة عن سبعة، واستاق في عمرة القضاء مكان عمرته التي صدّه المشركون ستين بدنة) ويقولون: كيف ينساه الصحابة الكرام وهو بهذا الفقر، والمدينة غنية بخيراتها، ويتركونه يستدين من يهودي، وهم الذين يحبُّونه أكثر من أنفسهم وأولادهم والدنيا بأسرها كما قال تعالى: {وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ}  وقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فتربصوا}. وهل جاع كل الصحابة واحتاجوا حتى تركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوع ويحتاج إلى هذا اليهودي.

ويقولون: وهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق كل ماله، ثم يدع أهله وزوجاته جائعين؟ وهو الذي أوصانا فقال: (إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) وقوله: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) وهل ينفق كل ماله وينسى قول الله تعالى: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} ويقولون غير هذا أقوالاً كثيرة يصعب حصرها، وما ذكرناه دال على ما لم نذكره، فهي أسئلة تنبع من مصدر واحد، والغرض منها هدف واحد.

الموافقون لهذا الحديث وحجتهم:
قد تبين أن هذا الحديث صحيح، بل متفق على صحته عند أئمة العلماء والفقهاء، ولم يطعن في صحته من حيث الإسناد أحد من قبل، وقد استنبط منه الفقهاء أحكاماً عدة: منها: جواز التعامل مع غير المسلمين، ولا سيما أهل الكتاب. وجواز التعامل مع من يشوب ماله بعض الحرام، كاليهود. وجواز الرهن في الحضر، فإن القرآن ذكر الرهن في السفر. وفيه دليل على وجود بعض اليهود في المدينة إلى غير ذلك من الأحكام، وليس فيه أي دلالة لا من قريبٍ ولا من بعيد على أن النبي صلى الله عليه اقترض من اليهودي بزيادة، قال الحافظ ابن حجر: قوله: (مات ودرعه مرهونة عند اليهودي) فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تعامل مع اليهود ومع غيرهم، إنما كان على الوجه المشروع، وحاشا نبي الله صلى الله عليه وسلم عن أن ينهى أمته عن الربا ثم يتعامل به، وكون اليهود من أخلاقهم أكل الربا وعدم التورع عنه، لا يعني ذلك أنهم يفعلون ذلك في جميع مبادلاتهم التجارية، فالمرابي قد يشتري أو يبيع أحياناً على الوجه الصحيح.

توجيه الحديث ورد الاعتراضات:

أولاً: لا خلاف أن الحديث صحيح، وأنه عليه الصلاة والسلام قد رهن درعه، وكما هو معلوم فإن كل أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله فيها حكم ومواعظ، قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ثم إن الأنبياء لا يورثون، وقوله: (لا نورث ما تركنا صدقة) والرواية بالنون، يعني جماعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال القرطبي، وجاء في رواية أخرى: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) والأنبياء جميعاً لم يكونوا حريصين على تجميع المال، وذلك بسبب أنهم كانوا لا يورثون المال؛ وكانوا يعلمون أنهم لن يتركوا مالاً لمن بعدهم؛ ولا يعني أنه مات وليس عنده مالٌ أنه مات فقيراً، بل هذا هو الأصل، لأنه لو ترك مالاً للزم أن يورثه لمن بعده، ومن هنا كان المال الذي عندهم ينبغي أن يذهب إلى بيت المال، وليس إلى الورثة، لذلك كانوا ينفقون بسخاء غير معهود.

ثانياً: ليس في الحديث ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه بسبب فقر أو جوعٍ أو طلباً لقرض، إنما هناك بعض روايات الحديث في "الصحيحين" وغيرهما تقول: إن الرهن كان بسبب بيعٍ آجل، كما في رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (اشترى النبي صلى الله عليه وسلم من يهودي شعيراً إلى أجل ٍ ورهنه درعه)  ومن المعلوم أن بيع الأجل تجوز زيادة الثمن فيه عن البيع الحاضر، ففي هذه الحالة ليس في الحديث ما يدل على أنه قرض، أو بسبب فقر أو جوعٍ، إنما هو بيع بالأجل.

ثالثاً: أما عن سبب عدوله صلى الله عليه وسلم عن الأخذ من الصحابة، وكان فيهم أغنياء، وأخذه من اليهود، فلعله إنما فعل ذلك لبيان الجواز، أو أنه لم يأخذ من أحد منهم؛ لأنه كان يعلم أنهم يودون إعطاءه بغير جزاء، وهو يريد أن يأخذ بالسداد، فخشي أن يحرجهم في ذلك، أو أنهم لم يكن عندهم في ذلك الوقت ما يزيد عن حاجتهم من هذا النوع من الطعام - سواء كان قمحاً أو شعيراً-.

رابعاً: أما كون الرسول صلى الله عليه وسلم كان له الخمس في الغنائم، فهذا صحيح، وليس شرطاً أنه إن كان يملك هذا المال كله أن عليه أن ينفقه على أهل بيته، فقد كان ينفق هذا المال الخمس وغيره في مصالح الأمة، وكان يقول: (لو كان لي مثل أُحُد ذهباً، ما أحب أن يمر علي ثلاث، وعندي منه شيء إلا شيئا أرصده لديْن)  فقد كان صلى الله عليه وسلم ينفق بسخاء، ويعطي عطاء من لا يخشى الفاقة، كما جاء في وصفه عليه الصلاة والسلام. وقد سارت أمهات المؤمنين من بعده عليه الصلاة والسلام على هذا المنهج، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنه كانت تنفق كل ما يأتي لها، فتقول لها الخادمة: ليتك تركت لنا شيئاً نفطر عليه. فتقول لها: لو ذكرتني لفعلت. وكذلك كانت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها التي كانت كثيرة الإنفاق على الفقراء والمساكين حتى سميت بأم المساكين، ووصفت بأنها أطولهن يداً. فإذا كانت أمهات المؤمنين كذلك، فما بال قدوتهم ومعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خامساً: أما لماذا أخذ مقابل رهن الدرع شعيراً وليس قمحاً، وهو أفضل من الشعير، فإن الرواية التي فيها ذكر للشعير، لم تحدد أنه كان طعاماً لأهله، وهي رواية أم المؤمنين، ونصها: (توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير) فقد يكون أخذه عليه السلام للدواب وليس للأهل، ولا مانع أن يأتي وقت ينفد فيه الشعير من المدينة، وهي بلد نخيل، وليست بلد زراعة، ولا يوجد من يدخر الشعير، إلا مثل هذا اليهودي، وقد استلف منه الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثين وسقاً من الشعير، ثم رهنه درعه. وأما الرواية التي ذكرت أنه للأهل فليس فيها أنه أخذ شعيراً، وهي رواية ابن عباس، ونصها: (توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بعشرين صاعاً من طعام أخذه لأهله)، ثم حتى لو كان النبي صلى الله عليه وسلم قد استعار الشعير للطعام، فلا بأس في ذلك، ولا يعني هذا أنه كان طعامه الدائم، وليس هناك مانع من أكل الشعير، بل لعل الفائدة الموجودة في الشعير وقشره لا تقل عن القمح، ولا مانع من أكل المفضول مع وجود الفاضل، وكانت أم المؤمنين عائشة تقول: (ما شبع آل محمد من خبز الشعير حتى قُبض) ، وفي كلتا الحالتين، سواء أخذ الشعير للدواب أو لأهل بيته، فليس في هذا دلالة على فقره وحاجته أبداً؛ إذ إن قوله تعالى في سورة الضُّحى {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} يُعد من أوائل ما نزل من القرآن، وهي سورة مكية، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كانت تأتي عليه أيام يشد فيها الحجر على بطنه من شدة الجوع، وقد حصل معه هذا وهو في المدينة، وليس في هذا ما يخالف معنى الآية.

سادساً: أما من أي جاء هذا اليهودي إلى المدينة بعد أن أُخرجوا منها، فقد يكون صلى الله عليه وسلم استدان منه في وقت سابق قبل أن يتم إخراجهم، فليس في الحديث ما يدل على أن ذلك حصل في السنوات الأخيرة، ولعله لم يتم إرجاع ذلك الدرع حتى مات عليه الصلاة والسلام، والدرع ما زالت مرهونة عند ذلك اليهودي، وقد حصل أن استدان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الأدرُع يوم حُنين من صفوان بن أمية وهو مشرك، فقال له: أَغَصب يا محمد؟ فقال: (بل عاريَة مضمونة)  فقد كانت الغنائم بعد فتح مكة وبعد حنين كثيرة، وكان منها السيوف والدروع وغيرها، وليس هناك حاجة لأن يستدين عليه السلام دروعاً.

ونختم هذا المقال بكلام لطيف لابن قتيبة يقول فيه : "إنه ليس في هذا الحديث ما يُستعظم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه بأمواله، ويفرقها على المستحقين من أصحابه، وعلى الفقراء والمساكين وفي النوائب التي تنوب المسلمين، ولا يرد سائلاً، ولا يعطي إذا وجد إلا كثيراً، ولا يضع درهماً فوق درهم، وقالت له أم سلمة: يا رسول الله! أراك ساهم الوجه أمِنْ علةٍ؟ فقال: لا ولكنها السبعة الدنانير التي أتينا بها أمس، نسيتها في خصم الفراس، فبتُّ ولم أقسمها، وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بُكائها عليه: ( بأبي من لم ينم على الوثير، ولم يشبع من خبز الشعير) وليس يخلو قولها هذا من أحد أمرين: إمّا أنه كان يؤثر غيره بما عنده، حتى لا يبقى عنده ما يشبعه، وهذا بعض صفاته، والله عز وجل يقول: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} وإما أنه كان لا يبلغ حد الشبع من الشعير، ولا من غيره؛ لأنه كان يكره الإفراط في تناول الطعام، وقد كره ذلك كثير من الصالحين والمجتهدين، وهو صلى الله عليه وسلم أولاهم بالفضل، وأحراهم بالسبق.

وحاصل القول: إن الحديث صحيح، وليس فيه ما يمنع أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم باع اليهودي بأجل ورهن درعه، أو استدان منه قمحاً أو شعيراً ورهنه درعه لبيان الجواز، ولا يعني ذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان فقيراً، أو محتاجاً، وليس في الحديث مذمة أو منقصة له عليه الصلاة والسلام، بل هو درس للتسامح والتعاطف والمحبة بين المسلمين وغير المسلمين، والله تعالى أعلم.

المصدر



الاثنين، 21 ديسمبر 2020

الثورةُ عَلى السنةِ النبوية بقلم: د.علي بن عبد الله الصيّاح

 


إنَّ مِنْ أسبغ نعم الله على هذه الأمة حفظ دينها بحفظ كتابه العزيز، وسنة نبيه الكريم، قال تعالى : { إِنّا نَحْنُ نَزّلنا الذِّكرَ وإِنّا لهُ لحافظون } وهذا الوعد والضمان بحفظ الذكر يشمل حفظ القرآن ، وحفظ السنة النبوية - التي هي المفسرة للقرآن وهي الحكمة المنزلة كما قال تعالى { وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ } -وقد ظهر مصداقُ ذلك مع طول المُدّة، وامتدادِ الأيام، وتوالي الشهور، وتعاقبِ السنين، وانتشارِ أهل الإسلامِ، واتساعِ رُقعتهِ، فقيض الله للقرآن من يحفظه ويحافظ عليه.

وأما السُّنَّةُ فإنَّ الله تعالى وَفَّق لها حُفَّاظاً عارفين، وجهابذةً عالمين، وصيارفةً ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المُبْطلين، وتأويل الجاهلين ، فتفرغوا لها، وأفنوا أعمارهم في تحصيلها، وبيانها والاستنباط منها، وتمييزِ ضعيفها من صحيحها، فجزاهم اللهُ عن الإسلامِ والمسلمينَ خيرَ الجزاءِ وأوفرَهَ.

هذا وفهم السنة النبوية وبيانُ حِكَمها وأحكامها له أصول وقواعد يُنطلق منها وفق منهج علميّ رصين ، فمن لم يراع هذه القواعد العلمية والأسس المنهجية كان فهمه للسنة النبوية –في الواقع-ثورة عليها وتغييراً لدلالتها، وبالتالي يصبح الأمر فوضى ، وتضيع كل قواعد العلم ، وتصبح السنة النبوية حمى مستباحاً لكل من هبّ ودب !، يقرأ أحدهم كتاباً في "السنة النبوية" يوم السبت، ويصنف فيه يوم الأحد، ويدعو كلَّ أحد للاستنباط يوم الاثنين، أما يوم الثلاثاء فيطاول الأئمة ويقول: نحن رجال وهم رجال!!..

قال ابنُ حزم في السير ((لا آفة على العلوم وأهلها أضر من الدخلاء فيها، وهم من غير أهلها فإنهم يجهلون ويظنون أنهم يعلمون، ويفسدون ويظنون أنهم مصلحون )).

وقال الجرجاني في دلائل الإعجاز:((إذا تعاطى الشيء غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء واشتد البلاء)).

إنَّ مسألة فَهْم السنةِ النبوية وبيان حِكَمها وأحكامها والاستنباط منها، وتمييزِ ضعيفها من صحيحها، ليست من قبيل الثقافة العامة التي يتناولها الكتاب والمفكرون والمثقفون والشعراء بالنقد والتعليق كما يتناولون نقد القصيدة أو المقالة ، وإنما هي مسألة علمية ، تتعلق بدين الله وشرعه، والقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم كالقول على الله بلا علم لأنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا هو وحي يوحي .

قال ابنُ القيم في إعلام الموقعين: ((وقد حرَّم الله القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء وجعله من أعظم المحرَّمات؛ بل جعله في المرتبة العليا منها؛ قال تعالى: "قلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ..." الآية، فرتَّب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها، وهو الفواحش، وثنّى بما هو أشد تحريمًا منه، وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريمًا منهما، وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أعظم تحريمًا من ذلك كله، وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعمُّ القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه)) وقال تعالى {[ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ }.

وهنا أصول ينبغي لمن أراد الاستنباط من السنة النبوية أن يراعيها لكي يكون كلامه من جنس كلام أهل العلم والأيمان المؤصل تأصيلاً علمياً :

1- استشعار عظمة وخطورة الكلام عن الله ورسوله بدون علم مؤصل.

2- التأكد من درجة الحديث من حيثُ الصحة والضعف، فلا تبنى الأحكام والاستنباطات على أحاديث موضوعة أو ضعيفة، وهذا الأصل له فنٌّ خاص عند دارسي السنة النبوية اسمه "علوم الحديث" أو "مصطلح الحديث" وهو قائم على "النقد العلمي للإسناد والمتن"، و"ضوابط توثيق الأخبار" وتنقية السنة مما قد يشوبها، وقد سئل عبد الله بن المبارك-الإمام المشهور-: عن الأحاديث الموضوعية؟ فقال: "تعيش لها الجهابذة، قال تعالى { إنا نحن نزلنا الذِّكر وإنا له لحافظون}"، وأخذ هارونُ الرشيد زنديقا فأمر بضرب عنقه فقال له الزنديق: لم تضرب عنقي يا أمير المؤمنين ؟ قال: أريح العباد منك، قال: فأين أنتَ من ألف حديث وضعتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها ما فيها حرف نطق به رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأين أنت ياعدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفا حرفا !.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : » المنقولات فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب ، والمرجع في التمييز بين هذا وهذا إلى أهل علم الحديث ، كما نرجع إلى النحاة في الفرق بين نحو العرب ونحو غير العرب ، ونرجع إلى علماء اللغة فيما هو من اللغة وما ليس من اللغة ، وكذلك علماء الشعر والطب وغير ذلك ، فلكل علم رجالٌ يعرفون به ، والعلماء بالحديث أجلّ هؤلاء قدراً ، وأعظمهم صدقاً ، وأعلاهم منزلة ، وأكثرهم ديناً ، وهم من أعظم الناس صدقاً و أمانة وعلماً وخبرة فيما يذكرونه من الجرح والتعديل ، مثل : مالك وشعبة وسفيان ... «

وعلم الإسناد وما ترتب عليه لم يظهر في الأمم السابقة، وهو من أعظم إنجازات المسلمين في مجال البحث العلمي، ومثار الثناء والإعجاب من الأعداء قبل الأصدقاء.

3- جمعُ روايات وألفاظ الحديث الواحد فالحديث بمجموعه يفسر بعضه بعضاً، قال أحمد بن حنبل :(( الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يُفسر بعضه بعضاً ))، قال ابن حجر في الفتح:((المتعين على من يتكلم على الأحاديث أن يجمع طرقها ثم يجمع ألفاظ المتون إذا صحت الطرق ويشرحها على أنه حديث واحد فإن الحديث أولى ما فسر بالحديث ))، لذا تجد الشارح البارعين –أمثال: ابن عبد البر في كتبيه "التمهيد" و"الاستذكار" ، وابن رجب في كتابه "فتح الباري" وبقية كتبه، و ابن حجر شارح صحيح البخاري في كتابه "فتح الباري" - يُعنون في بيانهم لسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم بجمع روايات وألفاظ الحديث الواحد، وقد ذكر العلائيّ في كتابه " نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد" -ص111 -قاعدة شريفة عظيمة الجدوى في هذا الباب يحسن بالمتخصص أن يتقنها.

ومما يمثل به على هذا الأصل حديث أم حرام بنت ملحان –المتفق على صحته- فله طرق كثيرة وألفاظ عديدة ففي بعض طرقه أنَّ أم حرام "قالت:يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت" قد يفهم بعضهم من هذه الرواية أنها خرجت بدون محرم، ولكن هذا الفهم مردود بالرواية الأخرى –المتفق على صحتها- "فقال: أنت من الأولين، فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية..." وهكذا الروايات والألفاظ يفسر بعضها بعضاً لمن طلب الحق بصدق وعدل.

4- جمع الأحاديث الواردة في المسالة المستنبطة، ومراعاة قواعد وأصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، والفقهاءُ المحققون إذا أرادوا بحث قضية ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من الكتاب والسنة، ، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة،

قال الشاطبي : » من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظم بعضها ببعض، فيوشك أن يزل، وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه« .

وقال أيضاً : » ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد : وهو الجهل بمقاصد الشرع ، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض ، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها ، وعامّها المرتب على خاصّها ، ومطلقها المحمول على مقيدها ، ومجملها المفسر بِبَيّنها ، إلى ما سوى ذلك من مناحيها ، -إلى أن قال - فشأن الراسخين : تصور الشريعة صورة واحدة ، يخدم بعضها بعضاً كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة،وشأنُ متبعى المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفواً وأخذاً أولياً وإنْ كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئى، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا « .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : » إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما لم يقله ، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله ، ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله ، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله ، ويُفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله ؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون ، ويجب تلقيه وقبوله ، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم « .

أما اختطاف الحكم من حديث عابر، وقراءة عجلى من غير مراعاة لما ورد في الموضوع من آثار أخرى فليس من عمل العلماء.

ومما يمثل به على هذا الأصل حديث أم حرام بنت ملحان المتقدم ذكره فقد اختطف بعضهم من الحديث جواز العسكرية للنساء هكذا بدون قيد ولا شرط ولا حال ولا زمان ، و من غير مراعاة لما ورد في الموضوع من أحاديث تأمر بالستر ومجانبة الرجال، ولهذا كان جهاد النساء الحج كما ثبت في الصحيح.

قال أبو عمر بن عبد البر في الاستذكار:" قال ابنُ وهب: أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه، قال أبو عمر : لولا أنها كانت منه ذات محرم ما زارها ولا قام عندها والله أعلم، وقد روي عنه عليه السلام من حديث عمر وبن عباس: لا يخلون رجل بامرأة إلا أن تكون منه ذات محرم، على أنه صلى الله عليه وسلم معصوم ليس كغيره ولا يقاس به سواه، وهذا الخبر ..فيه إباحة النساء للجهاد وقد قالت أم عطية: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنداوي الجرحى ونمرض المرضى وكان يرضخ لنا من الغنيمة"

وليس هذا موضع الحديث عن هذه المسألة إذ المقصود هنا الإشارة والتنبيه فقط.

5- الإحاطة بقدر كاف من العلوم الأساسية و علوم الآلة المعينة على الفهم والاستنباط.

وأذكر هنا وقفات سريعة :

1- جميلٌ أنْ تقرأ في "السنة النبوية" وتعيش مع أخباره صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه وتطبقها عملياً، ولكن قبيحٌ أن تتصدر للفتيا والاستنباط والتصنيف من غير مقدمات علمية متخصصة، إذْ لا بدَّ من احترام التخصص، و إتيان البيوت من أبوابها، وكل من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب.

2- قال ابنُ الوزير (( ومن المعلوم لدى الفرق الإسلامية على اختلاف طبقاتها ولدى جميع العقلاء في الأرض الاحتجاج في كل فن بكلام أهله، ولو لم يرجعوا إلى ذلك لبطلت العلوم لأنّ غير أهل الفن إما أن لا يتكلموا فيه بشيء ألبته أو يتكلموا فيه بما لا يكفي ولا يشفي، ألا ترى أنك لو رجعت في تفسير غريب القرآن والسنة إلى القراء وفي القراءات إلى أهل اللغة وفي المعاني والبيان والنحو إلى أهل الحديث، وفي علم الإسناد وعلل الحديث إلى المتكلمين وأمثال ذلك لبطلت العلوم وانطمست منها المعالم والرسوم وعكسنا المعقول وخالفنا ما عليه أهل الإسلام )).

3- ما أحسن وأصدق قول الشاطبي : » وكذلك كل من اتبع المتشابهات، أو حرف المناطات، أو حمل الآيات مالا تحمله عند السلف الصالح، أو تمسك بالأحاديث الواهية، أو أخذ الأدلة ببادى الرأى، له أن يستدل على كل فعل أو قول أو أعتقاد وافق غرضه بآية أو حديث لا يفوز بذلك أصلا، والدليل عليه استدلال كل فرقة شهرت بالبدعة على بدعتها بآية أو حديث من غير توقف...فمن طلبَ خلاصَ نفسهِ تثبّت حتى يتضحَ له الطريق، ومن تساهل رمته أيدي الهوى في معاطب لا مخلص له منها إلا ما شاء الله«. من كتاب "الاعتصام" وهو كتابٌ جديرٌ بالقراءة والتأمل فإنْ ضعفتَ فقرأ البابَ الرابع منه.

4- التجرد المسبق أكبر معين على الاستنباط فلا يعتقد ثم يبحث ؛ ولكن يبحث أولاً ثم يعتقد-بالضوابط العلمية-، ويتحلى بالنصفة والعدل والاستقلال، قال الإمام الشافعي: » ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ « ، وقال أيضا : » ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أولسانه «.

5- سُئل الإمام أحمد عن حرف من الغريب فقال: (سلوا أصحاب الغريب فإني أكره أن أتكلم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن).

ولو كان لي من الأمر شيء لوضعت في كل دور الطباعة والنشر عبارة " إذا تكلم المرءُ في غير فنه أتى بالعجائب والغرائب فكن على حذر"، والله الموفق.

وما تقدم من الحقائق العلمية الشرعية التأصيلية سطرتها لمّا قرأتُ كتاب "ثورة في السنة النبوية" تأليف.غازي بن عبدالرحمن القصيبي، سائلاً المولى للجميع التوفيق والهداية.


و صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً.


المصدر: http://www.saaid.net/arabic/16.htm 

الأحد، 13 ديسمبر 2020

كيف نخدم السنة النبوية ؟ بقلم : أ.د فالح بن محمد الصغير

 



الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:


منزلة السنة النبوية:


تعد السنة النبوية مصدرًا أساس من مصادر التشريع الإسلامي مع القرآن الكريم، وقد جاءت النصوص القرآنية الكثيرة المؤكدة لهذه المصدرية، كقوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) [الحشر: 7]، وقوله سبحانه (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ) [المائدة: 92].

إضافة إلى أن للسنة النبوية أهمية أخرى، فمع كونها الترجمة العملية للقرآن الكريم والصورة واقعية لما فيه من أحكام ومعاملات قولاً وتطبيقًا، لقول عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه وسلم: \"كان خلقه القرآن \"[أخرجه مسلم] فهي تفسر القرآن الكريم وتفصل ما فيه من أحكام، فقد فرضت أحكام القرآن على الناس مجملة وعامة، كما في قول الله تعالى في الصلاة: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) فالسنة النبوية بينت عدد الصلوات وكيفيتها وعدد ركعاتها، وما يقال فيها وما يفعل من حركات، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" [أخرجه البخاري]. وكذلك الحال بالنسبة للزكاة والصيام والربا والجهاد وغيرها - من الأمثلة الكثيرة في القرآن الكريم - مجملة دون تفصيل حتى فصلتها وأوضحتها السنة النبوية المباركة.

وجوب نشر السنة النبوية وخدمتها:


بما أن للسنة النبوية هذه المكانة في التشريع الإسلامي، فمن واجب الأمة المسلمة حفظها والعمل بها ونشرها وخدمتها بكل الوسائل والإمكانات المشروعة المتاحة.

وقد بذل الأئمة على مدار التاريخ منذ عصر النبي صلى الله عليه وسلم جهودًا عظيمة في ذلك كرواية السنة وجمعها، وتصنيفها، والتقعيد لها، وشرحها وتوضيحها، والتأليف في ذلك كله، فجزاهم الله خيرًا يجزى عالمًا عن علمه.

وفي هذا العصر نشطت حركة خدمة السنة تعلمًا وتعليمًا، وحفظًا ونشرًا بمختلف الوسائل، كما هي في الجامعات والمعاهد وغيرها.

ولعله يذكر هنا بعض المجالات التي ظهرت في خدمة السنة النبوية، ونشرها للعمل بها، وهي متاحة للجميع.


أولاً: الانترنت:
 خُدمت السنة النبوية في الشبكة العنكبوتية خدمة كبيرة، من خلال تأسيس المواقع الإلكترونية وصفحات الفيس بوك وغرف المحادثة وغيرها، فثمة عشرات المواقع الالكترونية التي تخدم السنة النبوية بعلومها المختلفة، تحت إشراف أهل العلم والتخصص المعروفين حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملايين الناس في العالم، وعلى سبيل المثال شبكة السنة النبوية وعلومها، والتي بلغ عدد زوارها ملايين المسلمين، وهي شبكة تعنى بالسنة والسيرة النبوية، وعلوم الحديث كالمصطلح وعلم الرجال والجرح والتعديل والتخريج ودراسة الأسانيد، وكذلك الفتاوى الاستشارات الشرعية والتي يجيب عليها نخبة من أهل العلم المتخصصين، وقد ترجمت هذه الشبكة إلى عدة لغات عالمية.

ثانيًا: البرامج الالكترونية:
 عجّت الساحة الالكترونية بالبرامج الخادمة للسنة النبوية بعلومها ومجالاتها المختلفة، عن طريق شركات ومؤسسات تقنية معروفة، فعلى سبيل المثال أنتجت شركة حرف التقنية موسوعة الحديث الشريف، وموسوعة السيرة النبوية وبرنامج صفوة الأحاديث، وبيان فيما اتفق عليه الشيخان، ومركز التراث لأبحاث الحاسب الآلي أنتجت المكتبة الألفية للسنة النبوية، والموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف، ومكتبة علوم الحديث وغيرها.

ثالثًا: إنشاء معاهد ومراكز خاصة بالسنة النبوية:
 مثل مركز خدمة السنة والسيرة النبوية بالجامعة الإسلامية، حيث يعنى هذا المركز بإعداد موسوعات في السنة النبوية وعلومها وكذلك السيرة النبوية وجمع المخطوطات والوثائق المتعلقة بالسنة النبوية وتحقيق بعضها، وترجمة بعض كتب السنة والسيرة النبوية إلى لغات أخرى، إضافة إلى مناصرة النبي صلى الله عليه وسلم ودفع الشبهات المثارة حول السنة والنبي صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: إنشاء كليات وأقسام علمية متخصصة بالسنة النبوية وعلومها،
 على أسس علمية، مثل كلية الحديث الشريف في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وفيها قسم فقه السنة ومصادرها وقسم علوم الحديث، وكذلك مثل قسم السنة وعلومها بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وقسم السنة وعلومها بجامعة الملك خالد بأبها، وقسم الكتاب والسنة بجامعة أم القرى، وغيرها.

خامسًا: تأليف الكتب والمصنفات وكتابة المقالات والبحوث عن السنة النبوية وعلومها،
 وعن السيرة النبوية وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم، ودفع الشبهات وردّ الأباطيل المثارة حول السنة والنبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقصر أهل العلم وطلبة العلم منذ العصور الأولى وإلى الآن في هذا المجال، والحاجة إلى هذا النوع من خدمة السنة متجددة دائمًا وخاصة بعد أن تعرضت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم إلى إساءات وتشويهات في البلدان الغربية، وهذا يتطلب المزيد من التآليف والمقالات وترجمتها إلى اللغات المختلفة، لتعريف المجتمعات غير المسلمة بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله في كل الجوانب.

سادسًا: القيام بالمشاريع العلمية التي تخدم السنة النبوية،
 عبر دراسات أكاديمية متخصصة مثل جائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، والتي تهدف إلى تشجيع البحث العلمي للسنة النبوية والدراسات الإسلامية بعلومها وفنونها وموضوعاتها المختلفة، وقد أصدرت هذه الجائزة عشرات من البحوث والدراسات المتعلقة بالسنة النبوية من قبل الباحثين والمختصين لهذا العلم، من كثير من الدول الإسلامية.

وتعد الجهود السابقة كبيرة في خدمة السنة النبوية، إلا أننا بحاجة دائمة إلى المزيد من البحوث والدراسات، خاصة مع التطور التقني والإعلامي الهائل، والاستفادة منه في نشر السنة النبوية وعلومها والدفاع عنها وترجمتها إلى اللغات الأخرى، عبر الوسائل المتطورة والإمكانات المتوفرة، وهو تحقيق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع\".

ومع تلك الجهود نقف وقفات:


الوقفة الأولى:


لكي تؤتي خدمة السنة النبوية ثمارها الحقيقية وفق ما أراده الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، لا بد من توفر بعض الشروط التي تحقق تلك الخدمة، ومنها:

أولاً:
 الإخلاص في العمل في جميع الميادين التي تخدم السنة النبوية وتحافظ عليها وتدفع عنها الشبهات والأباطيل، وهو الأساس المتين لكل عمل يقوم به المؤمن، حتى يكلل بالنجاح والسداد، لقول الله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ) [الزمر:11].

ثانيًا:
 فهم القرآن الكريم: وهو ضرورة لمن يخدم السنة النبوية، لأن القرآن الكريم والسنة النبوية يكملان بعضهما البعض، قال الله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) [النحل: 44]، فكلاهما من الله تعالى في الأصل لقول الله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3-4].

ثالثًا:
 فهم قواعد التصحيح والتضعيف للأحاديث: وهي القواعد التي من خلالها نصل إلى الحكم على الحديث وبيان درجته، كأن يكون الرواة عدولا ضابطين، واتصال السند، والسلامة من الشذوذ، والسلامة من العلل ونحوها.

رابعًا:
 خدمة السنة النبوية من خلال اتباع النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وعملاً في الأمر والنهي، قال الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 31]. ويلحق بهذا الأمر تربية الأبناء والأجيال على هذا حب النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته، وتطبيق المشاريع العلمية والأكاديمية الخادمة لهذه السنة المطهرة في الميادين المختلفة.

خامسًا:
 الحذر من المبالغات في التطبيق وتجنب المحدثات والمبدعات، كما كان عليه السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهو امتثال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد\" أخرجه مسلم.

الوقفة الثانية: الإسهام المالي لخدمة السنة النبوية:


يعد الإسهام بالمال لخدمة السنة النبوية من الأعمال الصالحة العظيمة التي يؤجر عليها المسلم، لأن ذلك يدخل في باب الصدقة الجارية، التي تنتقل منفعتها بين الناس، مثل فتح مراكز خدمة السنة النبوية، أو التكفل بالإنفاق على دور حفظ الحديث النبوي، أو الإنفاق على طباعة كتب الحديث ونشرها، أو إقامة الندوات حول السنة النبوية، أو إنشاء كراسي علمية في الجامعات لخدمة السنة النبوية وغيرها من الأعمال التي تعين على نشر سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته.

والمملكة العربية السعودية من أكثر الدول التي يتنشط فيها الإسهام المالي لخدمة السنة النبوية، سواء من الأفراد من أهل الخير، أو من المؤسسات والشركات التقنية ودور النشر، أو من الدولة نفسها، على جميع المستويات وفي معظم مناطق المملكة.

الوقفة الثالثة:


العمل الإبداعي لخدمة السنة النبوية، والذي لا يتوقف على ميدان محدد أو آليات معينة، وإنما يتعدد هذا العمل حسب ما يتمتع به المسلم من العلم والدين والقدرة على العمل مع ملكة المهارة لديه، على جميع المستويات:

- فالمعلم مع طلابه يستطيع حسب بالسنة النبوية ومهارته التعليمية والتربوية أن يعرفهم بالسنة النبوية ويحببهم إليها، ويحفزهم لقراءة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به في العبادات والأخلاق والسلوك.

- والأب يستطيع أن يعلم أبناءه الحديث النبوي ويطلعهم على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، من خلال اقتدائه بالنبي عليه الصلاة والسلام داخل البيت مع زوجته وأبنائه، وتخصيص أوقات معينة لتدارس الأحاديث النبوية وقراءة السيرة النبوية معهم.

- وكذلك الأخ مع إخوته في الوقوف على حديث نبوي وحفظه وشرحه ونشره في لوحة أو قرطاس.

وفي كل هذه الأحوال يجب على المبدع، سواء المعلم، أو الأب، أو الأخ، أن يهيأ الأجواء المناسبة لإنجاز العمل الإبداعي في خدمة السنة النبوية، بالكلمة الطيبة، والأسلوب الحكيم، ومنح الهدايا والمكافآت للمهتمين والمتفوقين، والاهتمام بالأبناء والطلبة ومشاركتهم في آمالهم وآلامهم، وغيرها من الأساليب التعليمية الأخرى.

الوقفة الرابعة:


طباعة كتب السنة والسيرة النبوية ونشرها في الداخل والخارج، وباللغات المختلفة، وخصوصًا بعد ظهور حملات تشويه وإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبالرغم من ظهور هذا الجهد في بعض الدول إلا أنه لم يكن بمستوى التحديات التي تواجه السنة النبوية، ويقع مسؤولية هذا الأمر على أولياء أمور المسلمين، على غرار ما قام به الملك عبدالعزيز رحمه الله، فقد طبع – رحمه الله – الكثير من كتب العلم والسيرة النبوية على نفقته الخاصة داخل المملكة وخارجها، منها: البداية والنهاية لابن كثير، وزاد المعاد لابن القيم، وشرح السنة للبغوي، ومنهاج السنة لابن تيمية، ومختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم لمحمد بن عبدالوهاب، وغيرها من الكتب والمؤلفات في مختلف علوم الشريعة.

كما تقع هذه المسؤولية على الوزارات والمراكز العلمية والجامعات والمعاهد، وكذلك التجار وأصحاب الأموال، وعلى أهل العلم والمختصين في السنة النبوية، لأنها من العلم النافع، والعمل الصالح الذي يؤجر عليه الإنسان بشكل مستمر.

الوقفة الخامسة:


الإسهام الإعلامي، من خلال تخصيص برامج إذاعية وتلفزيونية عن السنة النبوية وعلومها، وقراءات يومية للأحاديث النبوية بموضوعاتها المختلفة، باللغة العربية وغيرها من اللغات الأجنبية، كالإنجليزية والفرنسية والروسية والأردية ونحوها، وبث مقتطفات عن السيرة النبوية وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم بشكل بين الفترة والأخرى على مدار الساعة.

وكذلك المشاركة الإعلامية في الانترنت عبر المواقع العلمية والدعوية، وعبر صفحات الفيس بوك، والتويتر، وغرف المحادثات الصوتية، وكذلك عبر المحاضرات والندوات التي تقام في الجامعات والمراكز الثقافية والمساجد، إضافة إلى المشاركات الكتابية بالمقالات والبحوث في الصحف اليومية والمجلات والدوريات العلمية المحكمة.

تلك نماذج وإشارات لخدمة السنة النبوية، والباب واسع جدًا لمن تأمل وتدبر، أسأل الله العظيم أن يجعلنا من خدمة وحماة لكتابه الكريم وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قولاً وعملاً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 

المصدر: http://www.saaid.net/afkar/197.htm 

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

شمولية السنة النبوية بقلم : د. محمود بن أحمد الدوسري

                    



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أمَّا بعد:

فإنَّ المتأمل في الشريعة الإسلامية عامة، وما جاء في السنة النبوية بصفة خاصة يلحظ أنها أتت بكلِّ ما يحتاجه الإنسان؛ في العبادات والمعاملات، والأحوال الشخصية، والحدود والجنايات، وما يتعلق بها من ضروريات، وحاجيات، وتحسينات، وكماليات، بصورة منقطعة النظير، أذهلت العالم كافة، حيث وجدت فيها القواعد والأصول والكليات زاهية شامخة ثابتة، يُستفاد منها في كبير المسائل وصغيرها، من خلال ما يطبقه العلماء من اجتهاد في الأحكام على الوقائع والنوازل على تنوعها، مراعين في ذلك تغيُّر الأزمنة والأمكنة، والأحوال والعوائد والنيات.

 

والسنة النبوية قد جاءت مُعبِّرةً عن القرآن الكريم بشموله واتِّساعه لكلِّ الجوانب التي يحتاجها الإنسان في الحياة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]، كما جاءت السنة استجابةً لمستجدات الحياة وتطوُّرِها، فلا تكاد تشعر بالعَوَز أو الافتقار إلى ما يُمكِّن الإنسان من الحياة وفق المنهج الإسلامي والتشريع الرباني، رغم كون النصوص ثابتة لم تتغيَّر، واللغة واحدة لم تتبدَّل، وهذا الاستيعاب وذلك الشمول من مظاهر عظمة السنة النبوية.

 

معنى الشمول: الشمول: هو العموم، والاستيعاب، والإحاطة بأمرٍ ما، وعلى هذا الأساس جاءت السنة النبوية بشمولها لجميع المصالح الدنيوية والأخروية، والفردية والجماعية، فهي لا تعرف الدنيا بدون الآخرة، ولا الآخرة بدون الدنيا، فهي تسلك مسلك الموازنة بين هذا كلِّه؛ لأنها وُضِعَت لمصالح العباد، وواضعها هو خالقهم وربُّهم: ﴿ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، فهو أعلم بأحوالهم ومصالحهم.

 

وهذه "الرسالة الخاتمة" اتسعت جوانب الشمول الإسلامي، وامتدت طولاً وعرضاً وعمقاً حتى استوعبت جميع الأفراد والأمم، وقررت كلَّ طيِّب من المبادئ والنُّظم، وتوجهت بالخطاب الأعلى لكل الأزمنة والأمكنة، مع غاية التبيان في الخطاب، وقوة الحجة، وصحة الدليل والبرهان[1].


أدلة شمول السنة النبوية: من أدلة شمول السنة النبوية ما يلي:

1- عن سَلْمَانَ رضي الله عنه قال: قِيلَ له: (قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم كُلَّ شَيْءٍ حتى الْخِرَاءَةَ، فقال: أَجَلْ)[2].


2- وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (ما بَقِيَ شَيْءٌ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ ويُبَاعِدُ مِنَ النَّارِ إِلاَّ وَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ)[3].


3- وقال أبو ذَرٍّ رضي الله عنه: (لقد تَرَكَنَا رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا يَتَقَلَّبُ فِي السَّمَاءِ طَائِرٌ إِلاَّ ذَكَّرَنَا مِنْهُ عِلْماً)[4].


4- وفي رواية: (تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَا طَائِرٌ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ عِنْدَنَا مِنْهُ عِلْمٌ[5])[6].


5- من أقوى الأدلة على شمول السنة واتِّساعها هو المواكبة والتواؤم العجيب والغريب - والذي لا يمكن أن يصدر إلاَّ من نبيِّ مُوحَى إليه، ورسول معصوم - بين الحاجات الإنسانية والبشرية في التشريع وما يقتضيه التطور والعمران وبين ما جاء في السنة سواءً القولية والفعلية؛ إذ لا يُمكن أنْ تُلِحَّ الحاجةُ إلى مسألةٍ من المسائل أو قضيةٍ من القضايا ذات ارتباطٍ بالمنهج والشرع إلاَّ ولها ما يدل عليها، ويُرشِد إليها، ويقضي فيها من السنة الواضحة الظاهرة أو من خلال قواعدها العامة، ومقاصدها العظمى، والتي يستنبطها العلماء بما أُوتوا من علمٍ ومَلَكَةٍ على الاستنباط والقياس.


فهذا العنصر من أقوى العناصر التي تدل على شمول السنة واستيعابها، وهو عنصر محترم بلا شك، إذ يُعلي من شأن العقل ويُقَرِّر ملكة الفكر، والتي بهما ميِّز الله الإنسان على الحيوان وكرَّمه.


قال ابن القيم - رحمه الله: (فصلٌ في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيُّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد: "بناء الشَّرِيعَةُ على مَصَالِحِ الْعِبَادِ في المعاش والمعاد".


هذا فَصْلٌ عَظِيمُ النَّفْعِ جِدًّا، وَقَعَ بِسَبَبِ الْجَهْلِ بِهِ غَلَطٌ عَظِيمٌ على الشَّرِيعَةِ، أَوْجَبَ من الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَتَكْلِيفِ ما لاَ سَبِيلَ إلَيْهِ ما يُعْلَمُ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْبَاهِرَةَ التي في أَعْلَى رُتَبِ الْمَصَالِحِ لاَ تَأْتِي بِهِ؛ فإنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنَاهَا وَأَسَاسُهَا على الْحِكَمِ وَمَصَالِحِ الْعِبَادِ في الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ، وَهِيَ عَدْلٌ كُلُّهَا، وَرَحْمَةٌ كُلُّهَا، وَمَصَالِحُ كُلُّهَا، وَحِكْمَةٌ كُلُّهَا، فَكُلُّ مَسْأَلَةٍ خَرَجَتْ عن الْعَدْلِ إلَى الْجَوْرِ، وَعَنْ الرَّحْمَةِ إلَى ضِدِّهَا، وَعَنْ الْمَصْلَحَةِ إلَى الْمَفْسَدَةِ، وَعَنْ الْحِكْمَةِ إلَى العبث، فَلَيْسَتْ من الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ أُدْخِلَتْ فيها بِالتَّأْوِيلِ، فَالشَّرِيعَةُ عَدْلُ اللَّهِ بين عِبَادِهِ، وَرَحْمَتُهُ بين خَلْقِهِ، وَظِلُّهُ في أَرْضِهِ، وَحِكْمَتُهُ الدَّالَّةُ عليه وَعَلَى صِدْقِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَتَمَّ دَلاَلَةً وَأَصْدَقُهَا.


وَهِيَ نُورُهُ الذي بِهِ أَبْصَرَ الْمُبْصِرُونَ، وَهُدَاهُ الذي بِهِ اهْتَدَى الْمُهْتَدُونَ، وَشِفَاؤُهُ التَّامُّ الذي بِهِ دَوَاءُ كلِّ عَلِيلٍ، وَطَرِيقُهُ الْمُسْتَقِيمُ الذي مَن اسْتَقَامَ عليه فَقَدْ اسْتَقَامَ على سَوَاءِ السَّبِيلِ، فَهِيَ قُرَّةُ الْعُيُونِ، وَحَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَلَذَّةُ الأَرْوَاحِ؛ فَهِيَ بها الْحَيَاةُ وَالْغِذَاءُ وَالدَّوَاءُ وَالنُّورُ وَالشِّفَاءُ وَالْعِصْمَةُ، وَكُلُّ خَيْرٍ في الْوُجُودِ فَإِنَّمَا هو مُسْتَفَادٌ منها، وَحَاصِلٌ بها، وَكُلُّ نَقْصٍ في الْوُجُودِ فَسَبَبُهُ من إضَاعَتِهَا، وَلَوْلاَ رُسُومٌ قد بَقِيَتْ لَخَرِبَتْ الدُّنْيَا، وَطُوِيَ الْعَالَمُ.


وَهِيَ الْعِصْمَةُ لِلنَّاسِ وَقِوَامُ الْعَالَمِ، وَبِهَا يُمْسِك اللَّهُ السماواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، فإذا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَرَابَ الدُّنْيَا وَطَيَّ الْعَالَمِ رَفَعَ إلَيْهِ ما بقي من رُسُومِهَا، فَالشَّرِيعَةُ التي بَعَثَ اللَّهُ بها رَسُولَهُ هِيَ عَمُودُ الْعَالَمِ، وَقُطْبُ الْفَلاَحِ وَالسَّعَادَةِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)[7].


آفاق "الشمول" في السنة النبوية:

تعددت جوانب الشمول في السنة النبوية، واتسعت آفاقه في هذه "الرسالة الخاتمة"، التي أراد الله تعالى لها أن تكون خطابه الدائم إلى يوم القيامة، وحُجَّته الممدوة في حياة الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته.

ويتمثل ذلك في ثلاثة جوانب:

1- الشمول الظرفي: (المكان والزمان).

2- الشمول الشخصي: (الأفراد والجماعات).

3- الشمول التشريعي: (المبادئ والأحكام).


أولاً: الشمول الظرفيوهذا يعني: أنَّ السنة النبوية خطابٌ موجَّه لكلِّ البقاع في الأرض، ولكلِّ الأزمنة منذ بُعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، وهي مرحلة انتهاء التكليف والاختبار في حياة الناس.


ثانياً: الشمول الشخصي: وهذا يعني: أنَّ السنة النبوية استوعبت جميع الأشخاص العقلاء البالغين في توجيه الخطاب إليهم؛ سواء كانوا أفراداً، أو كانوا جماعات؛ كالأسرة أو القبيلة، أو كانوا شعوباً وأمماً تحكمهم الأعراف والتقاليد في البوادي، أو تحكمهم حكومات في دولة منظمة ذات قوانين. إنَّ كُلَّ مَنْ يدرج على أرض الله مُخاطَب بهذه "الرسالة الخاتمة"، ومكلَّف بها في أيِّ مكان درج، وفي أيِّ زمان وُجِد. ويشهد للشمول "الظرفي" و"الشخصي" للرسالة الخاتمة ما يلي:

أ- ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ  رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: (فُضِّلْتُ على الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ) وذَكَرَ منها: (وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ)[8].

 

ب- ما جاء عن جَابِر بنِ عبدِ اللَّهِ – رضي الله عنه؛ أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي) وذَكَرَ منها: (وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً)[9].

 

ج- وفي رواية: (كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ)[10]وشمول "الرسالة الخاتمة" تؤكِّده آيات القرآن الكريم، ومِن أَجْمَع وأصرَح الآيات في ذلك:

أ- قوله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الأعراف: 158]؛ فهذا تقرير إلهي حاسم في شمول الرسالة الخاتمة، وأنها موجَّهة للناس جميعاً؛ بدليل التأكيد بلفظ: ﴿ جَمِيعًا ﴾ لرفع أيِّ احتمال أو التباس بأن المراد بالناس بعضهم أو معظمهم أو أهل زمان مخصوص منهم، فأفاد ذلك أن المراد هو جميع العقلاء الذين يصلحون لهذا الخطاب الإلهي التكليفي الشامل.


ب- وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ ﴾ [سبأ: 28]. وكلمة: ﴿ كَافَّةً ﴾ تشمل جميع الناس؛ الأحمر والأسود، والعربي والعجمي، فهي جامعةٌ لهم، تكُفُّهم عن الخروج منها، وتُلزِمهم بها[11].

 

ج- قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]. قال الرازي - رحمه الله: (لفظ العَالَمين يتناول جميع المخلوقات، فدلَّت الآية على أنَّه رسولٌ للخَلْقِ عامَّةً إلى يوم القيامة)[12].

 

ويلاحظ: أن هذه الآيات الكريمة كلَّها مكية نزلت في عهد الضَّعف قبل التمكين، وقبل وجود أيِّ قدرة للجماعة المُسلمة الأُولى على تحقيق هذه القضية، وإنما سبقت في العهد المكي للتأسيس الاعتقادي، وللتأصيل الديني في ذاته، وقد وضَعَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم موضِع التطبيق العملي بعد ذلك بسنوات، حين أقام الدولة في المدينة النبوية، ومهَّد الأمور من إبرام صلح الحديبية مع مشركي مكة، والذي كان فتحاً مبيناً؛ كسر الله به حميَّة المشركين في الجزيرة كلِّها، وأزال به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مصدر المؤامرات اليهودية في خيبر، وحينئذٍ أمِنَت الطُّرق فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كُتُبَه إلى ملوك الفرس والروم ومصر وغيرها؛ تحقيقاً وتطبيقاً لمبدأ عالمية الإسلام وعالمية الرسالة الخاتمة، أو شمول الأشخاص أفراداً وجماعات[13].


ثالثاً: الشمول التشريعي: وهو يعمُّ كلَّ ما يحتاجه الناس في شؤون حياتهم؛ إيماناً وأخلاقاً وعبادات ومعاملات، وهناك من الأحاديث الكثيرة المتكاثرة قررت وأكدت هذا الشمول التشريعي الجامع؛ والأصل في هذا "الشمول التشريعي" كثرة شُعب الإيمان، المُنبثق من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإيمَانُ[14] بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أو بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً؛ فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ من الإِيمَانِ)[15].


وعن هذا "الشمول التشريعي" في السنة النبوية يقول ابن حجر - رحمه الله: (إنَّ هذه الشُّعب تتفرَّع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن: فأعمال القلب فيها المعتقدات والنيات: وتشتمل على "أربع وعشرين خصلة": الإيمان بالله، ويدخل فيه: الإيمان بذاته وصفاته، وتوحيده، بأنه ليس كمثله شيء... والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه: المسألة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار، ومحبة الله، والحب والبغض فيه، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه: الصلاة عليه، واتِّباع سُنَّته.


والإخلاص، ويدخل فيه: تَرْك الرياء، والنفاق، والتوبة، والخوف، والرجاء، والشكر، والوفاء، والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل، والرحمة. والتواضع، ويدخل فيه: توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكِبْر، والعُجب، وترك الحسد، وترك الحقد، وترك الغضب.


وأعمال اللسان: وتشتمل على "سبع خصال": التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم وتعليمه، والدعاء، والذِّكر، ويدخل فيه: الاستغفار، واجتناب اللغو. وأعمال البدن: وتشتمل على "ثمان وثلاثين خصلة" منها ما يختص بالأعيان، وهي "خمس عشرة خصلة" - وذَكَرَ منها: التَّطهُّر، والعبادات جميعاً...


ومنها ما يتعلق بالأتباع، وهي "ست خصال": التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال، وبر الوالدين، واجتناب العقوق، وتربية الأولاد، وصلة الرحم... ومنها ما يتعلق بالعامة، وهي "سبع عشرة خصلة": القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة، وطاعة أولي الأمر، والإصلاح بين الناس... وإقامة الحدود، والجهاد، وأداء الأمانة... وحُسن المعاملة: وفيه: جَمْع المال من حِلِّه، وإنفاق المال في حقه، ومنه: ترك التبذير والإسراف، ورد السلام، وتشميت العاطس، وكف الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق. فهذه "تسع وستون خصلة" ويمكن عدُّها: "تسعاً وسبعين خصلة" باعتبار أفراد ما ضُمَّ بعضُه إلى بعض مما ذُكِر، والله أعلم)[16].


ونلحظ هنا: أنَّ ابن حجر - رحمه الله - أَدخل في "شُعب الإيمان" كلَّ التكاليف التي شرعها الله سبحانه لعباده، في كل شؤون الحياة العامة والخاصة، وهذا هو معنى "الشمول" في السنة النبوية.


أربع شعب كلية جامعة: بعض العلماء المعاصرين أرجع هذا الشُّعب الكثيرة، إلى أربع شعب كلية جامعة؛ لتكون أسهل في الحفظ، وأيسر في الحصر، وأكثر في استيعاب ما تحتها من مفردات ومسائل وأحكام، وأوضح دلالة على "جوانب الشمول الإسلامي" في التشريع والتكليف، وهي على الترتيب: (شعبة الإيمان، وشعبة الأخلاق، وشعبة العبادات، وشعبة المعاملات)[17].


 شبهة وردُّها: إذا كانت السنة النبوية بشمولها تصلح أن تكون منهجَ حياةٍ للإنسان، فهل بالضرورة أن تكون كذلك بالنسبة للمجتمعات والدول، بحيث تصلح أن تكون نظاماً للحُكم؟

وهذه شبهةٌ روَّج لها أدعياء التغريب في زمننا، ودعاةُ الباطل في عصرنا، إذْ أرادوا قَصْرَ السُّنة وتحجيمها وتقزيمها، ومن ثَمَّ قَصْرَ التشريع على مُجرَّد عباداتٍ فردية، ومظاهرَ شكليةٍ يُمارسها أصحابها، دون أنْ تكون لها صلةٌ بالمجموع العام المُكوِّن للمجتمع، فالمجتمعُ - بزعم هؤلاء - بحاجةٍ إلى نُظمٍ وقوانين تفتقر إليها السُّنة النبوية، وتعجز عن الوفاء بها.


والردُّ عليهم لا يحتاج منَّا إلى جُهدٍ أو مشقَّة؛ إذ الحقُّ واضحٌ جلي:

أولاً: السنة النبوية وما فيها من منهج تشريعي ونظامٍ فريد للحكم والإدارة تصلح لكلِّ زمانٍ ومكان؛ إذْ لا يُتصوَّر عقلاً أن تأتي السنة بأحكامٍ؛ من مثل دخول الخلاء والطهارة والجماع وغيرها، ثم تغفل عن بيان أحكامٍ أكثرَ خطورة وأهمية؛ من مثل العلاقات الدولية، والسياسية الشرعية، والإدارة للرعية، وغيرها من أحكامٍ وتشريعاتٍ ممتلئة بها كتبُ السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ثانياً: بالفعل اشتملت السنة النبوية على ما يؤكِّد شمولَها واستيعابَها لكلِّ جوانب الحياة، والتي تجعل من الإسلام دِيناً ودولة، فوَجَدْنا الحربَ الضَّروسَ، تَعرَّفَنا من خلالها على آلياتِ الحرب وضرورتِها، ومتى تكون حتميَّةً، وكيف تُدار بمهارةٍ واقتدار، بل شهد لها الأعداءُ فدَرَّسوها في أكاديمياتهم العلمية في عصر التَّقدم العلمي والتطور التكنولوجي.


ووجَدْنا فيها العلاقاتِ الدوليةَ والمراسلاتِ بين الدول، بل والسفراء والوسطاء بشكلٍّ ربما سَبَقَ فيه المسلمون غيرَهم. ووجَدْنا فيها السياسةَ وما تقتضيه من عَقْدِ صُلحٍ، أو إبرامِ عهدٍ، يُمكِّن الدولةَ من استثماره وقت الحاجة، وإقامةِ علاقاتٍ دوليةٍ، وتحييدٍ لِقُوىً ليس من المناسب الدخول معها في معاداة، ورأينا فيها التنازلاتِ تركيزاً على هدفٍ استراتيجي بعيد؛ مثل صلح الحديبية.


ووجَدْنا فيها التحالفاتِ والتكتلات، كما وجدنا فيها التَّنوُّعَ بين مكونات المجتمع، وإعطاءَ كلِّ نوعٍ حقَّه كاملاً غير منقوص في إطارِ إقرارِ مبدأ الحقوق والواجبات، بصرف النظرِ عن العقيدة أو النوع أو العِرق، كلُّ هذا وغيرُه يجعلنا مُطمئنين إلى ما لدينا من سُنةٍ عظيمةٍ، شاملةٍ لكلِّ جوانب الحياة، ومن خلالها نستطيع بالفعل أنْ نُنْشِئَ أُمَّةً، ونُقيمَ دولةً، ونصنع حضارةً نقود بها العالَم؛ تحقيقاً لرسالتنا الخالدة، وهي هدايةُ البشرية الضَّالة، وإخراجُها من ضلالِها وغيِّها إلى نورِ ربِّها تبارك وتعالى.



شرح حديث: أمُّك أمرَتْكَ بهذا ؟

عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: رأى عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين مُعصفَرين، فقال: " أمك أمرَتْك بهذا؟ " رواه مسلم. ...